فخر الدين الرازي

12

تفسير الرازي

المسألة الثالثة : تمسك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقال : لولا جواز المعصية عليهم وإلا لما قال : * ( ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) * . والجواب : أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي . وقيل : الخطاب له والمراد غيره . ثم قال تعالى : * ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : لفظ ( الشرعة : في اشتقاقه وجهان : الأول : معنى شرع بين وأوضح . قال ابن لسكيت : لفظ الشرع مصدر : شرعت الإهاب ، إذا شققته وسلخته . الثاني : شرع مأخوذ من الشروع في الشيء وهو الدخول فيه ، والشريعة في كلام العرب المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون منها ، فالشريعة فعلية بمعنى المفعولة ، وهي الأشياء التي أوجب الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها ، وأما المنهاج فهو الطريق الواضح ، يقال : انهجب لك الطريق وأنهجب لغتان . المسألة الثانية : احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لا يلزمنا ، لأن قوله * ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ) * يدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلاً بشريعة خاصة ، وذلك ينفي كون أمة أحد الرسل مكلفة بشريعة الرسول الآخر . المسألة الثالثة : وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل ، وآيات دالة على حصول التباين فيها . أما النوع الأول : فقوله : * ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ) * ( الشورى : 13 ) إلى قوله * ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) * ( الشورى : 13 ) وقال * ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) * ( الأنعام : 90 ) . وأما النوع الثاني : فهو هذه الآية ، وطريق الجمع أن نقول : النوع الأول من الآيات مصروف إلى ما يتعلق بأصول الدين ، والنوع الثاني مصروف إلى ما يتعلق بفروع الدين . المسألة الرابعة : الخطاب في قوله * ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ) * خطاب للأمم الثلاث : أمة موسى ، وأمة عيسى ، وأمة محمد عليهم السلام ، بدليل أن ذكر هؤلاء الثلاثة قد تقدم في قوله * ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) * ( المائدة : 44 ) ثم قال * ( وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم ) * ( المائدة : 46 ) ثم قال * ( وأنزلنا إليك الكتاب ) * ( المائدة : 48 ) . ثم قال : * ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ) * يعني شرائع مختلفة : للتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة . المسألة الخامسة : قال بعضهم : الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد ، والتكرير للتأكيد